بقلم سميرة بوجلطي
يشهد العالم اليوم تحولات تكنولوجية متسارعة تعيد تشكيل ملامح الاقتصاد والمجتمع على حد سواء، ويأتي في مقدمة هذه التحولات كل من الذكاء الاصطناعي وتقنية الجيل الخامس الجيل الخامس (5G) ، اللذين يشكلان معا ثنائيا قويا قادرا على إحداث نقلة نوعية في مختلف القطاعات. فبينما يعد الذكاء الاصطناعي بقدرات متقدمة في تحليل البيانات واتخاذ القرار وأتمتة العمليات، توفر شبكات الجيل الخامس (5G) البنية التحتية اللازمة لنقل البيانات بسرعة فائقة وزمن استجابة منخفض، ما يفتح المجال أمام تطبيقات مبتكرة في مجالات الصناعة، الصحة، التعليم، والخدمات.
وفي هذا السياق العالمي، تسعى الجزائر إلى مواكبة هذا التحول الرقمي باعتباره فرصة محتملة لتنويع الاقتصاد بعيدا عن الاعتماد التقليدي على الموارد الطاقوية، وتعزيز الإنتاجية وخلق وظائف جديدة قائمة على المعرفة، وهو ما يتماشى مع التوجهات الاستراتيجية التي عبر عنها رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، الذي أكد في عدة مناسبات على ضرورة تسريع وتيرة التحول الرقمي، وتشجيع الابتكار، والاعتماد على الاقتصاد المعرفي كبديل مستدام يعزز سيادة الاقتصاد الوطني ويقلل من التبعية للمحروقات.
وعليه، فإن هذا التفاؤل التقني، رغم وجاهته، يفرض قراءة أكثر عمقا وشمولا لواقع التحول الرقمي في الجزائر، حيث يتوقع أن تؤدي الأتمتة والذكاء الاصطناعي إلى تراجع بعض المهن التقليدية، مقابل بروز وظائف جديدة تتطلب مهارات رقمية متقدمة، وهو ما يفرض إعادة النظر في منظومة التعليم والتكوين لضمان توافقها مع متطلبات العصر الرقمي.
كما أن هذا التحول لا يقتصر على الجانب المهني فقط، بل يمتد ليشمل قضايا أكثر حساسية مثل حماية المعطيات الشخصية والأمن السيبراني، في ظل تزايد الاعتماد على البيانات كعنصر أساسي في الاقتصاد الرقمي.
ومن ثم، فإن نجاح الجزائر في استثمار هذه التقنيات لا يتوقف فقط على تبنيها من الناحية التقنية، بل يرتبط أيضا بقدرتها على مواكبة هذه التحولات عبر سياسات عمومية متكاملة توازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وضمان الاستقرار الاجتماعي، بما يجعل من الرقمنة رافعة حقيقية للتنمية بدل أن تتحول إلى مصدر اختلالات جديدة.
واقع البنية الرقمية في الجزائر.. ميزان الجاهزية وتحديات الميدان
لا يمكن الحديث عن ذكاء اصطناعي “وطني” دون وعاء تقني يحتضنه،فالبنية التحتية تمثل الأساس الذي يبنى عليه صرح التحول الرقمي والحداثة. وفي الجزائر، انتقل النقاش من مسألة “إمكانية الاتصال“ إلى رهانات “جودة وكثافة التدفق“، وهو تحول تعكسه المؤشرات الميدانية في مجالات الألياف البصرية، مراكز البيانات، والحوسبة عالية الأداء.
شهدت البنية التحتية للاتصالات في الجزائر توسعا ملحوظا في شبكة الألياف البصرية، التي أصبحت بمثابة الشرايين الأساسية لنقل البيانات عالية السرعة. فقد بلغ طول الشبكة الوطنية حوالي 211.000 كلم بنهاية 2024، مقارنة بنحو 160.000 كلم قبل سنوات، أي بزيادة تقارب 31%. هذا التوسع رافقه نمو سريع في خدمات “الألياف حتى المنزل (FTTH)، حيثارتفع عدد المشتركين من 53 ألفا في 2020 إلى أكثر من 3 مليون مع بداية 2026 وفق التقرير السنوي لسلطة ضبط البريد والاتصالات الإلكترونية(ARPCE) لعام 2025.
مراكز البيانات (Data Centers ) .. مستودعات السيادة الرقمية
تعد مراكز البيانات في الجزائر بنية تحتية استراتيجية تضمن سيادة البيانات الوطنية وتدعم التحول الرقمي وتسريع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، حيث حقق مركز البيانات الوطني الأول بالمحمدية (الجزائر العاصمة)، التابع لـ المحافظة السامية للرقمنة، إنجازا مهما في فيفري 2026 بحصوله على شهادة التصنيف الدولي “Tier III Design” من معهد UptimeInstitute، وهو ما يعكس قدرة تقنية تضمن استمرارية الخدمات بنسبة تقارب 99.98% بفضل أنظمة طاقة وتبريد مزدوجة تسمح بالصيانة دون انقطاع، كما يجري العمل على تجهيز مركز بيانات وطني ثانٍ للحصول على نفس التصنيف بما يوفر منظومة نسخ احتياطي على المستوى الوطني.
وفي موازاة ذلك تمتلك شركة اتصالات الجزائر شبكة من مراكز البيانات الموزعة عبر الولايات الكبرى مثل الجزائر وقسنطينة ووهران، وقد ساهمت الجهود المشتركة بين القطاعين العام والخاص في رفع سعة استضافة البيانات المحلية بنسبة تقارب 45% خلال الفترة 2025/2026 وتقليص الاعتماد على السحابات الأجنبية، مع استضافة أكثر من 60% من المحتوى الرقمي الحكومي محليًا مع طموح بلوغ 90% بحلول 2027، وهو ما ينعكس تقنيًا على تحسين زمن الاستجابة الذي انخفض من 100–120 ملي ثانية عند الاعتماد على خوادم خارجية إلى نحو 15–20 ملي ثانية داخل الوطن، مما يعزز كفاءة تطبيقات حساسة مثل الجراحة عن بُعد، وتشغيل الدرونزالزراعية، وإدارة الشبكات الذكية عبر الجيل الخامس، وذلك وفق تقارير الوكالة الوطنية لترقية الرقمنة وتطويرها وبيان المحافظة السامية للرقمنة(فيفري 2026).
الحوسبة عالية الأداء(HPC ).. وقود الخوارزميات المحلية
تعد مسألة تعزيز القدرات الحوسبية وتوسيع نطاق النفاذ إلى الإنترنت عنصرين أساسيين لتمكين تدريب نماذج لغوية كبيرة (LLMs) تعكس الخصوصية اللغوية والثقافية الجزائرية، خاصة فيما يتعلق بالدارجة.
فعلى مستوى البنية التحتية، تمتلك الجزائر بعض قدرات الحوسبة الفائقة عبر مراكز بحثية وطنية مثل CERIST، غير أن التحدي لا يزال قائما في رفع هذه القدرات إلى مستويات أعلى (Petaflops) بما يتناسب مع متطلبات معالجة البيانات الضخمة الناتجة عن انتشار تقنيات الجيل الخامس وتزايد حجم البيانات الرقمية.
أما فيما يتعلق بالاتصال بالإنترنت، فقد أشارت بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات إلى ارتفاع نسبة انتشار الإنترنت في الجزائر إلى مستويات تقارب ثلاثة أرباع السكان خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يوفر بيئة مناسبة نسبيا لتوليد كميات كبيرة من البياناتالقابلة للاستغلال في تدريب الأنظمة الذكية.
ويعزز هذا المعطى ما تشير إليه تقارير البنك الدوي، التي تؤكد التحسن التدريجي في مؤشرات النفاذ الرقمي في الجزائر، بما يفتح المجال أمام تطوير منظومة ذكاء اصطناعي محلية أكثر دقة وملاءمة للسياق الوطني.
ثورة الجيل الخامس تدعم انتشار المنصات الرقمية في مختلف القطاعات
أكد المستشار في مجال تكنولوجيات الإعلام والاتصال يونس قرار، أن إطلاق المنصات الرقمية في مختلف القطاعات لم يعد مرتبطًا فقط بتوفير الخدمات، بل بقدرتها على الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من المستخدمين، مشيرًا إلى أن هذا التحدي ظل عائقًا حقيقيًا في العديد من المناطق التي تفتقر إلى بنية تحتية متطورة.
وأوضح قرار أن تكنولوجيا الجيل الخامس تمثل تحولًا نوعيًا في هذا المجال، إذ تتيح تغطية أوسع وسرعات أعلى، ما يجعلها بديلاً فعالًا للألياف البصرية في المناطق التي يصعب ربطها بالشبكات التقليدية. وأضاف أن هذه التقنية لا تسهم فقط في تحسين جودة الاتصال، بل تفتح المجال أمام استغلال أمثل للمنصات الرقمية والخدمات الحديثة.
وأشار يونس قرار إلى أن الجيل الخامس يوفر تدفقًا للبيانات يفوق الجيل الرابع بعدة أضعاف، ما يعزز من إمكانيات تطبيقات إنترنت الأشياء التي تتطلب اتصالًا مستقرًا وسريعًا، إلى جانب دعمه للتطبيقات التفاعلية المتقدمة التي تحتاج إلى استجابة لحظية.
وفي السياق ذاته، أكد أن هذه التقنية تقدم حلولًا واعدة لقطاعات حيوية مثل التعليم والصحة والتكوين، حيث تتيح إجراء عمليات جراحية عن بعد بفضل سرعتها العالية واستقرارها الكبير، وهي ميزات لا يوفرها الجيل الرابع بنفس الكفاءة، بينما تشكل الألياف البصرية والجيل الخامس معًا بيئة مثالية لهذا النوع من الخدمات.
وأضاف أن الجيل الخامس يفتح آفاقًا واسعة في القطاع الفلاحي من خلال ما يُعرف بالفلاحة الذكية، حيث يتيح ربط أجهزة الاستشعار في الحقول لمراقبة رطوبة التربة وجودة المحاصيل بشكل لحظي، ما يساعد الفلاحين على اتخاذ قرارات دقيقة مبنية على البيانات. كما يمكن استخدام الطائرات دون طيار المتصلة بالشبكة لمتابعة المحاصيل ورصد الأمراض مبكرًا، إلى جانب أنظمة الري الذكية التي تساهم في ترشيد استهلاك المياه وزيادة الإنتاجية.
وأشار في هذا الإطار إلى أن هذه الحلول الرقمية تساهم في تقليل التكاليف، وتحسين مردودية الإنتاج، وتوفير الوقت والجهد، مع ضمان نقل المعطيات بشكل سريع وآمن، ما يعزز من التحول نحو فلاحة أكثر استدامة وفعالية.
في الأخير، لا يمثل الانتقال من اقتصاد قائم على المحروقات إلى اقتصاد قائم على البيانات مجرد خيار تقني، بل هو مسار استراتيجي حتمي تفرضه التحولات العالمية وتسارُع وتيرة الابتكار. فالذكاء الاصطناعي وتقنيات الجيل الخامس يقدّمان للجزائر فرصة تاريخية لإعادة صياغة نموذجها التنموي على أسس أكثر تنوعًا واستدامة، قوامها المعرفة والابتكار بدل الاعتماد الأحادي على الموارد الطبيعية.
غير أن اغتنام هذه الفرصة يظل رهينًا بمدى قدرة البلاد على معالجة التحديات الهيكلية المرتبطة بالبنية التحتية، وتنمية الكفاءات البشرية، وتحديث المنظومة التعليمية، إلى جانب إرساء أطر قانونية ومؤسساتية تضمن حماية البيانات وتعزز الثقة في الفضاء الرقمي. فالتكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، لا يمكن أن تؤتي ثمارها دون بيئة حاضنة تُحسن توظيفها وتوجيهها.
وعليه، فإن مستقبل الاقتصاد الجزائري في عصر الرقمنة لن يتحدد فقط بمدى تبني التقنيات الحديثة، بل بقدرة الفاعلين على تحويلها إلى قيمة مضافة حقيقية تُترجم إلى نمو اقتصادي شامل، وعدالة اجتماعية، وسيادة رقمية فعلية. وبين رهانات التحول وتحديات الواقع، تبقى الإرادة السياسية، والاستثمار في الإنسان، والتخطيط الاستراتيجي طويل المدى، مفاتيح العبور نحو اقتصاد رقمي واعد.
نجاح الرقمنة مرتبط بقدرة المجتمع على التكيف مع العالم الافتراضي
أكد خبير في علم الاجتماع فوزي بن دريدي أن التحول الرقمي أصبح من القضايا الأساسية التي تحظى باهتمام متزايد لدى الدول المتقدمة، خاصة مع إطلاق تقنيات الجيل الخامس، غير أن الاستفادة منها لا تكون متساوية بين مختلف المناطق، مما يكرّس نوعاً من الفجوة الرقمية.
وأشار الخبير إلى أن الجزائر بدورها تعتمد استراتيجية خاصة للتحول الرقمي، تقوم على إدماج البعد المجتمعي إلى جانب الجانب التقني، موضحاً أن هذا التحول لا يقتصر على البنية التكنولوجية فقط، بل يرتبط أساساً بالإنسان وقدرته على التكيف مع المستجدات الرقمية.
وأضاف أن العالم اليوم يعيش في بيئة افتراضية تتغير فيها أنماط التعاملات بشكل سريع، الأمر الذي يفرض على المجتمع التأقلم مع الوسائل الإلكترونية في مختلف المعاملات اليومية، سواء الإدارية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.
وأكد المتحدث أن التحول الرقمي في جوهره قضية ثقافية قبل أن يكون تقنية، لافتاً إلى أن النجاح في هذا المجال يتطلب ترسيخ ثقافة رقمية لدى الأفراد وتطوير وعيهم بكيفية استخدام التكنولوجيا بشكل فعال وآمن.
وختم بالإشارة إلى وجود فئات اجتماعية هشة تجد صعوبة في التفاعل مع التقنيات الحديثة، ما يستدعي، حسبه، إطلاق برامج تكوينية وتأهيلية موجهة للحد من الفجوة الرقمية وضمان إدماج شامل لكل شرائح المجتمع في مسار التحول الرقمي.
