الجزائر والصين.. من إرث الثورة إلى شراكة تعيد رسم المصالح السياسية والاقتصادية

المنظار نيوز

بقلم سميرة بوجلطي

 

تواصل العلاقات الجزائرية الصينية ترسيخ موقعها كإحدى أبرز الشراكات التي تجمع الجزائر بقوة اقتصادية وسياسية كبرى، مستندة إلى إرث تاريخي يعود إلى سنوات الثورة التحريرية، وإلى توافق سياسي متزايد حول عدد من القضايا الدولية، بالتوازي مع توسع التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين.

وتعود جذور التقارب بين الجزائر وبكين إلى دعم الصين للثورة التحريرية الجزائرية واعترافها بالحكومة الجزائرية المؤقتة سنة 1958، قبل أن تتطور العلاقات بعد الاستقلال إلى تعاون متعدد المجالات. وفي سنة 2014، ارتقت الجزائر والصين بعلاقاتهما إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، لتدخل العلاقات مرحلة جديدة اتسع خلالها التعاون ليشمل السياسة والاقتصاد والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا وغيرها من القطاعات.

وعلى المستوى السياسي، يتقاطع البلدان في عدد من المبادئ المرتبطة باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والدفاع عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، إلى جانب دعم التعددية القطبية وإصلاح منظومة العلاقات الدولية. كما تحرص الجزائر وبكين على تعزيز التشاور وتنسيق المواقف بشأن الملفات الإقليمية والدولية، وهو ما منح العلاقات الثنائية بعداً يتجاوز المصالح الاقتصادية المباشرة.

ويستند هذا التقارب السياسي إلى إرادة رسمية مشتركة للحفاظ على قنوات التشاور وتعزيز التعاون في مختلف المجالات، في وقت تسعى فيه الجزائر إلى توسيع شراكاتها الدولية على أساس المصالح المتبادلة، بينما تنظر الصين إلى الجزائر باعتبارها شريكاً مهماً في شمال إفريقيا وبوابة نحو الفضاء الإفريقي والمتوسطي.

اقتصادياً، تحولت الصين إلى أحد أهم الشركاء التجاريين للجزائر، حيث شهدت المبادلات بين البلدين نمواً لافتاً خلال السنوات الأخيرة. وبلغ حجم التجارة الثنائية 15.25 مليار دولار خلال سنة 2025، بزيادة قدرها 22.2 بالمائة مقارنة بعام 2024، وفق معطيات رسمية صينية.

ولا تتوقف الشراكة الاقتصادية عند التجارة، بل تمتد إلى مشاريع استراتيجية في قطاعات التعدين والطاقة والنقل والبنية التحتية والصناعة. ويبرز التعاون في قطاع المناجم بشكل خاص، مع المشاريع المرتبطة بتثمين الموارد الطبيعية وتطوير سلاسل الإنتاج، بما ينسجم مع توجه الجزائر نحو استغلال ثرواتها المنجمية ورفع القيمة المضافة محلياً.

كما توفر الشراكة مع الصين فرصاً لتوسيع التعاون في مجالات التكنولوجيا والصناعات التحويلية والطاقة المتجددة والسيارات والصناعات الكهروضوئية، وهي قطاعات تتقاطع مع مساعي الجزائر لتنويع اقتصادها وتقليص الاعتماد على المحروقات، ورفع مساهمة الاستثمار والإنتاج المحليين.

وتشكل مبادرة الحزام والطريق أحد الأطر الرئيسية التي تمنح التعاون الاقتصادي الجزائري الصيني بعداً أوسع، خصوصاً في مشاريع البنية التحتية والنقل واللوجستيك. كما تتيح هذه الشراكة للجزائر الاستفادة من الخبرات الصينية في إنجاز المشاريع الكبرى، مقابل تعزيز حضور المؤسسات الصينية في السوق الجزائرية والاستفادة من موقع البلاد الاستراتيجي في إفريقيا وحوض المتوسط.

وتكتسب هذه الديناميكية أهمية أكبر في ظل توجه الجزائر إلى تنويع علاقاتها الاقتصادية والانفتاح على الاستثمارات الأجنبية، مع التركيز على نقل التكنولوجيا وتطوير الإنتاج المحلي وعدم الاكتفاء بعلاقات تقوم على الاستيراد والتصدير.

وبالنسبة إلى الصين، تمثل الجزائر شريكاً مهماً في منطقة تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي وموارد طبيعية معتبرة، فضلاً عن وزنها السياسي في إفريقيا والعالم العربي، ما يجعل تطوير العلاقات معها ذا أهمية اقتصادية وجيوسياسية بالنسبة إلى بكين.

وهكذا، تتجه العلاقات الجزائرية الصينية نحو نموذج أكثر شمولاً، تتكامل فيه الثقة السياسية مع المصالح الاقتصادية والمشاريع الاستراتيجية. فبعد عقود من العلاقات التي تأسست على الدعم المتبادل والتقارب السياسي، تعمل الجزائر وبكين اليوم على تحويل هذا الرصيد التاريخي إلى شراكة أكثر ارتباطاً بالاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا، بما يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون طويل الأمد بين البلدين.

شارك
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار