سميرة بوجلطي
لم تعد مشاريع النقل الكبرى في الجزائر تُقارب باعتبارها مجرد منشآت تقنية أو استثمارات اقتصادية ظرفية، بل باتت تشكل جزءًا أساسيًا من رؤية استراتيجية شاملة تهدف إلى إعادة تموقع البلاد إقليميًا وقاريًا. ففي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعرفها منطقة الساحل وغرب إفريقيا، إلى جانب التغيرات العميقة في النظام الاقتصادي العالمي، تبرز مشاريع منجم غار جبيلات، وخط السكة الحديدية بشار–تندوف–غار جبيلات، والطريق البري تندوف–الزويرات، كركائز مترابطة ضمن تصور واحد يعيد للجنوب الغربي الجزائري دوره المحوري.
وتكشف هذه المشاريع عن توجه جديد يقوم على تحويل المناطق الحدودية من هوامش جغرافية معزولة إلى فضاءات فاعلة في معادلة النفوذ الاقتصادي واللوجستي. فالقيمة الحقيقية لهذه الإنجازات لا تكمن في كل مشروع على حدة، بل في تكاملها الوظيفي، وما تتيحه من إعادة بناء العمق الاستراتيجي للجزائر جنوبًا وغربًا.
السكة الحديدية بشار–تندوف: رافعة للسيادة الاقتصادية
يمثل خط السكة الحديدية بشار–تندوف–غار جبيلات أحد أبرز معالم هذه الرؤية، باعتباره مشروعًا هيكليًا يعيد ربط الجنوب الغربي بالشمال، ويضع حدًا لعقود من العزلة الجغرافية وضعف الربط الاقتصادي. ولا يقتصر دور هذا الخط على نقل خام الحديد من منجم غار جبيلات، بل يتجاوز ذلك ليشكل أداة سيادية للتحكم في سلاسل الإمداد الوطنية.
كما يتيح ربط المنجم بالموانئ المتوسطية، وعلى رأسها ميناء وهران، تقليص تكاليف النقل، ورفع تنافسية الموارد الجزائرية في الأسواق الدولية، مع ضمان انتظام واستقرار التزويد. ويعكس هذا التوجه انتقالًا تدريجيًا من منطق تصدير المواد الخام إلى منطق التحكم في مساراتها وتثمينها، بما يفتح آفاقًا مستقبلية لتطوير الصناعات التحويلية وخلق قيمة مضافة أعلى.
محور نواكشوط: بعد إقليمي يتجاوز الحدود
في هذا السياق، يبرز الطريق البري تندوف–الزويرات كامتداد طبيعي للشبكة الوطنية نحو المحيط الأطلسي، وكحلقة وصل تمنح المشاريع الجزائرية بعدها الجيوسياسي الكامل. فهذا المحور لا يُفهم كطريق عبور بسيط، بل كجزء من رؤية أوسع تهدف إلى فتح الاقتصاد الوطني على أسواق غرب إفريقيا.
ويمنح هذا الامتداد الجزائر منفذًا إضافيًا نحو الفضاء الأطلسي، ويساهم في تنويع مساراتها التجارية، خاصة في ظل تزايد المخاطر المرتبطة بالممرات التقليدية. كما يفتح المجال أمام إعادة توجيه التدفقات التجارية، من شبكة داخلية مغلقة إلى منظومة منفتحة على العمق الإفريقي.
نحو تكامل جزائري–موريتاني مستدام
ولا تقتصر أهمية محور نواكشوط على البعد اللوجستي، بل تتجلى في طابعه التكاملي، الذي يعكس تحولًا في طبيعة العلاقات الجزائرية–الموريتانية. فالتوجه الحالي يقوم على بناء شراكة طويلة المدى قائمة على تقاطع المصالح الاقتصادية والأمنية، وليس على منطق العبور الظرفي.
ويمثل هذا التكامل فرصة لتحويل الجنوب الغربي الجزائري إلى عقدة وصل حقيقية بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، خاصة مع إمكانية تطوير منظومات لوجستية مشتركة، أو ربط مستقبلي بين الشبكات السككية في البلدين.
شبكة جنوبية متكاملة وأبعاد أمنية
وتندرج هذه المشاريع ضمن تصور أشمل يهدف إلى ربط مختلف أقاليم الجنوب، لاسيما مع المشاريع المستقبلية التي ستعزز الاتصال بين بشار، تندوف، تمنراست، والموانئ الشمالية. ويمنح هذا الترابط الجزائر عمقًا استراتيجيًا حقيقيًا، ويعزز قدرتها على التحكم في مجالها الجغرافي والاقتصادي.
كما تحمل هذه الشبكة بعدًا أمنيًا واضحًا، إذ تسهم التنمية والبنية التحتية في تقليص الفراغات الحدودية، والحد من نشاط شبكات التهريب والجريمة العابرة للحدود، من خلال إدماج هذه المناطق في الدورة الاقتصادية الوطنية والإقليمية.
رؤية جديدة للجنوب والعمق الإفريقي
في المحصلة، تعكس مشاريع النقل الكبرى تحولًا عميقًا في الرؤية الاستراتيجية الجزائرية، حيث لم يعد الجنوب الغربي هامشًا جغرافيًا، ولم تعد الشراكات الإفريقية مجرد خيارات ثانوية. بل أضحت هذه الأقاليم والمحاور عناصر فاعلة في معادلة جديدة تعيد تموقع الجزائر كقوة محورية بين المتوسط والأطلسي، في انسجام مع مقاربة تربط بين التنمية، السيادة، والانفتاح على العمق الإفريقي.
