سميرة بوجلطي
لم يكن انتخاب خليدة بوفدش رئيسةً للمجلس الشعبي الوطني مجرد انتقال لرئاسة مؤسسة دستورية من شخصية إلى أخرى، بل شكّل لحظة فارقة في التاريخ البرلماني الجزائري، بعدما أصبحت أول امرأة تتولى رئاسة الغرفة السفلى للبرلمان منذ تأسيسها، في سابقة تعكس المكانة التي باتت المرأة الجزائرية تحتلها في مواقع المسؤولية وصناعة القرار.
وبأغلبية 302 صوتًا، اختار نواب المجلس الشعبي الوطني، في 28 جويلية 2026، خليدة بوفدش لقيادة المجلس خلال العهدة التشريعية العاشرة، لتدخل بذلك تاريخ المؤسسة التشريعية من أوسع أبوابه، وتضع بصمتها في مسار طويل من حضور المرأة الجزائرية في مختلف مؤسسات الدولة.
وتكتسب هذه السابقة أهميتها من كون رئاسة المجلس الشعبي الوطني ليست مجرد منصب بروتوكولي، وإنما مسؤولية دستورية وسياسية تتطلب قدرة على إدارة مؤسسة تضم مختلف التيارات والاتجاهات السياسية، وضمان سير العمل البرلماني في إطار من الانضباط والحوار والتوازن.
وإذا كان الوصول إلى هذا المنصب يمثل إنجازًا شخصيًا لخليدة بوفدش، فإنه في الوقت ذاته يعكس مسارًا أوسع للمرأة الجزائرية التي أثبتت، عبر عقود، قدرتها على الحضور في مختلف المجالات، من الطب والتعليم والقضاء والإدارة إلى العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة.
وتحمل بوفدش في مسارها خلفية مهنية في المجال الطبي، كما سبق لها ممارسة العمل المنتخب محليًا، قبل وصولها إلى المجلس الشعبي الوطني، وهو مسار يمنح تجربتها بعدًا عمليًا ويجعل انتقالها إلى رئاسة المؤسسة التشريعية محطة جديدة في مسيرة من المسؤولية العامة.
والأهم في هذه التجربة أن المرأة الجزائرية لم تعد حاضرة في مواقع القرار باعتبارها استثناءً، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من المشهد المؤسساتي، وصولًا إلى أعلى مستويات المسؤولية داخل إحدى أهم مؤسسات الدولة.
ومن هنا، فإن انتخاب خليدة بوفدش لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره حدثًا متعلقًا بشخصها، وإنما باعتباره رسالة ثقة في الكفاءة النسوية الجزائرية، وفرصة أمامها لإثبات أن معيار النجاح في المسؤولية العامة هو القدرة على الإنجاز وحسن التسيير وخدمة المؤسسات والمواطن، بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى.
لقد دخلت خليدة بوفدش البرلمان من بوابة الانتخابات، ووصلت إلى رئاسته عبر أصوات النواب، لتصبح أول امرأة تجلس على كرسي رئاسة المجلس الشعبي الوطني. وبين لحظة انتخابها ولحظة مغادرتها المنصب مستقبلًا، ستبقى هذه التجربة جزءًا من الذاكرة السياسية الجزائرية، باعتبارها اللحظة التي كُسرت فيها واحدة من آخر الحواجز الرمزية أمام وصول المرأة إلى قمة هرم المؤسسة التشريعية.
إنها، باختصار، صفحة جديدة تُكتب في تاريخ الجزائر السياسي، عنوانها امرأة جزائرية تحمل مسؤولية مؤسسة دستورية كبرى، وتفتح الطريق أمام أجيال جديدة من النساء اللواتي يطمحن إلى المشاركة الفاعلة في بناء مؤسسات الدولة وصناعة مستقبل البلاد.
