سميرة بوجلطي
دقّ مختصون في أمراض السكري وطب العيون والاقتصاد الصحي ناقوس الخطر بشأن المضاعفات العينية الناجمة عن داء السكري في الجزائر، محذرين من أن تدهور البصر قد يحدث تدريجيًا ودون علامات واضحة في مراحله الأولى، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على استقلالية المرضى ونشاطهم المهني والاجتماعي، فضلًا عن زيادة الأعباء المالية والصحية على العائلات والمنظومة الصحية.
وجاءت هذه التحذيرات خلال لقاء نظم يوم 18 أكتوبر 2026 بفندق سوفيتيل في الجزائر العاصمة، بمناسبة اليوم العالمي للإبصار، بمشاركة الأستاذة فدالة سمية، والأستاذ جابور مصطفى، والأستاذ عاشوري محمد ياسين، حيث تم تسليط الضوء على خطورة المضاعفات التي تصيب العين لدى مرضى السكري وأهمية الوقاية منها من خلال التشخيص المبكر والمتابعة الطبية المنتظمة.
أرقام مقلقة وتزايد متوقع في عدد المصابين
وتكشف تقديرات الاتحاد الدولي للسكري لسنة 2025 عن وجود نحو 4.8 ملايين شخص بالغ مصاب بالسكري في الجزائر، مع توقعات بارتفاع هذا العدد إلى 7.9 ملايين شخص بحلول سنة 2050. كما تشير المعطيات إلى أن 31.7 بالمائة من حالات الإصابة لم تُشخّص بعد، ما يعزز المخاوف بشأن التأخر في اكتشاف المرض ومضاعفاته.
وعلى الصعيد العالمي، يعاني نحو 23 بالمائة من المصابين بالسكري من اعتلال الشبكية السكري، في حين تواجه نسبة 11 بالمائة منهم أشكالًا من المضاعفات التي قد تهدد البصر، وهو ما يبرز أهمية تعزيز الفحوصات الدورية للكشف عن التغيرات التي قد تصيب العين قبل تفاقمها.
وفي هذا السياق، أوضح الأستاذ جابور مصطفى أن الوذمة البقعية السكرية قد تتطور على مدى أشهر دون أن يلاحظ المريض أعراضًا واضحة، قبل أن يبدأ تشوش الرؤية في الظهور. وشدد على ضرورة الكشف المبكر عن هذا المرض وغيره من الاعتلالات التي تصيب شبكية العين، تفاديًا لتطورها إلى مراحل أكثر خطورة.
مضاعفات تمس استقلالية المريض وحياته اليومية
من جانبها، أكدت الأستاذة فدالة سمية أن تأثير السكري على البصر لا يقتصر على الجانب الصحي فحسب، بل يمتد إلى مختلف تفاصيل الحياة اليومية للمصابين. فقد يؤدي ضعف الرؤية إلى صعوبات في قراءة جرعات الأنسولين والوصفات الطبية، أو استخدام أجهزة قياس نسبة السكر في الدم، ما قد يحد من قدرة المرضى على تدبير حالتهم الصحية بشكل مستقل.
وأضافت أن تراجع البصر يمكن أن يؤثر كذلك على الحياة المهنية والاجتماعية للمصابين، ويقلص من استقلاليتهم، الأمر الذي يجعل الوقاية من المضاعفات العينية والتدخل في الوقت المناسب من الأولويات الضرورية في التكفل بمرضى السكري.
عبء اقتصادي متزايد يستدعي تحسين التكفل
ولا تتوقف تداعيات المضاعفات العينية للسكري عند الجانب الطبي والاجتماعي، بل تشمل أيضًا تكاليف اقتصادية معتبرة. ووفق التقديرات التي عُرضت خلال اللقاء، يُقدّر عدد البالغين الذين يعانون من وذمة بقعية سكرية مشخصة أو يستفيدون من التكفل الطبي بها بنحو 191 ألف شخص.
وتبلغ التكلفة السنوية المتوسطة للتكفل بالمريض الواحد حوالي 603 آلاف دينار جزائري، فيما تمثل الحالات الشديدة 73.2 بالمائة من إجمالي العبء الصحي المرتبط بالمرض، ما يعكس حجم التحديات التي تطرحها هذه المضاعفات على المرضى والمؤسسات الصحية.
وفي مواجهة هذه المعطيات، دعا المشاركون إلى اعتماد فحوصات الشبكية ضمن المتابعة الطبية المنتظمة للمصابين بالسكري منذ لحظة تشخيص المرض، إلى جانب تعزيز التعاون والتنسيق بين أطباء السكري وأطباء العيون، وتوجيه الاهتمام بصورة أكبر إلى الحالات الأكثر عرضة لفقدان البصر، مع ضمان استمرارية العلاج.
الكشف المبكر والعلاجات الحديثة للحد من الخسائر
وأكد الخبراء أن تحسين نتائج التكفل بالمضاعفات العينية للسكري يتطلب الجمع بين الكشف المبكر، وتطوير الاستراتيجيات العلاجية، وتحسين مسار متابعة المرضى، بما يسمح بالتدخل قبل بلوغ المرض مراحل متقدمة تهدد قدرتهم على الإبصار.
كما أشاروا إلى أن هذه التدابير لا تساهم فقط في الحد من مخاطر فقدان البصر وتحسين نوعية حياة المصابين، بل يمكنها أيضًا تخفيف الأعباء عن أسرهم والمؤسسات الصحية، وتحقيق وفورات صافية تُقدّر بنحو 6.05 مليارات دينار جزائري على مدى خمس سنوات، وفق التقديرات المقدمة خلال اللقاء.
وتبرز هذه التوصيات أهمية جعل الوقاية والكشف المنتظم عن اعتلالات الشبكية جزءًا أساسيًا من الرعاية الصحية المقدمة لمرضى السكري، في ظل التوقعات بارتفاع عدد المصابين خلال العقود المقبلة، وما يرافق ذلك من تحديات صحية واجتماعية واقتصادية.
