سميرة بوجلطي
تقدم العلاقات الجزائرية الصينية نفسها اليوم كواحدة من أكثر الشراكات العربية والإفريقية قابلية للتوسع، في ظل انتقال التعاون بين البلدين من المشاريع الاقتصادية الكبرى إلى مجالات التكنولوجيا والفضاء والرقمنة والنقل، بالتوازي مع تقارب سياسي واضح بشأن قضايا دولية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وإصلاح منظومة الحوكمة العالمية.
وفي خطاب ألقاه بمناسبة الذكرى الـ77 لتأسيس جمهورية الصين الشعبية، توقف السفير الصيني بالجزائر عند محطات تاريخية وسياسية واقتصادية تعكس طبيعة العلاقة بين البلدين، مذكرا بالدور الجزائري في استعادة الصين مقعدها الشرعي في الأمم المتحدة، ومؤكدا أن العلاقات الثنائية تشهد خلال العام الجاري تطورا متسارعا على أكثر من مستوى.
ولم يكن استحضار السفير لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2758 مجرد عودة إلى التاريخ، إذ شدد على أن الجزائر كانت من الدول الرئيسية التي تقدمت بمشروع القرار الذي اعتمد في 25 أكتوبر 1971، وأعاد لجمهورية الصين الشعبية حقوقها في الأمم المتحدة واعترف بحكومتها ممثلا شرعيا وحيدا للصين في المنظمة الدولية.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية خاصة في السياق الحالي، بالنظر إلى أن بكين تنظر إلى علاقاتها مع الجزائر من زاوية سياسية تتجاوز المصالح الثنائية المباشرة، وترى في التجربة التاريخية للبلدين أرضية مشتركة تقوم على دعم مبدأ السيادة ورفض الهيمنة والدفع باتجاه نظام دولي أكثر تمثيلا للدول النامية.
شراكة تتوسع من الاقتصاد إلى التكنولوجيا
الأرقام التي عرضها السفير تعكس بدورها تسارع العلاقات الاقتصادية. فقد بلغ حجم المبادلات التجارية بين الجزائر والصين خلال النصف الأول من العام 9 مليارات دولار، بزيادة بلغت 28 بالمائة على أساس سنوي، بينما قفزت الصادرات الجزائرية نحو السوق الصينية بنسبة 111 بالمائة لتصل إلى 980 مليون دولار.
وتكتسب هذه الزيادة أهمية إضافية في ظل السياسة الصينية الرامية إلى توسيع دخول المنتجات الإفريقية إلى السوق الصينية، وهو ما يفتح أمام الجزائر فرصة لتحويل العلاقة التجارية من سوق تستورد منه الجزائر بكثافة إلى شراكة تتيح رفع صادرات المنتجات الجزائرية، خصوصا مع استمرار بكين في منح تسهيلات جمركية لعدد كبير من الدول الإفريقية.
غير أن المؤشر الأهم في الخطاب الصيني لا يرتبط بحجم التجارة فقط، وإنما بطبيعة المشاريع التي أصبحت تشكل العمود الفقري للشراكة.
فإنجاز وافتتاح خط السكك الحديدية المرتبط بالمشروع المنجمي الغربي، ودخول المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية حيز الخدمة، إلى جانب تسارع مشروع الفوسفات المدمج، يعكس انتقال التعاون الصيني الجزائري إلى قطاعات ترتبط مباشرة بالبنية التحتية والإنتاج الصناعي والموارد الطبيعية والتحول الرقمي.
وهنا تبرز أهمية هذه المشاريع بالنسبة للجزائر، باعتبارها جزءا من مسار تنويع الاقتصاد ورفع القيمة المضافة للثروات الوطنية، بدلا من الاكتفاء بتصدير المواد الأولية. كما أن حضور الشركات الصينية في عدد متزايد من الولايات والمشاريع الكبرى يجعل الصين أحد أبرز الشركاء الخارجيين في مسار التنمية الاقتصادية الجزائرية.
من ألسات-3 إلى المركز الرقمي.. التعاون يدخل مرحلة التكنولوجيا
ولم تعد الشراكة الثنائية محصورة في الطرق والمنشآت والمشاريع الصناعية، بل بدأت تمتد بصورة أوضح إلى المجالات التكنولوجية والفضائية والرقمية.
وفي هذا السياق، استحضر السفير تبادل الرئيسين عبد المجيد تبون وشي جين بينغ برقيات التهنئة بمناسبة نجاح إطلاق القمر الصناعي الجزائري ألسات-3، معتبرا ذلك محطة جديدة تضخ زخما في العلاقات الثنائية.
ويكشف هذا التطور عن اتجاه يمكن أن يصبح أكثر أهمية مستقبلا، وهو توسيع التعاون الجزائري الصيني نحو التكنولوجيا المتقدمة، خاصة أن الصين تسعى إلى تصدير خبرتها في مجالات الفضاء والذكاء الاصطناعي والرقمنة والتصنيع المتقدم، بينما تبحث الجزائر عن توطين التكنولوجيا وتطوير قدراتها الوطنية.
وإذا أضيف إلى ذلك دخول المركز الوطني الجزائري للخدمات الرقمية حيز الخدمة، فإن ملامح شراكة جديدة تبدأ في الظهور، قوامها الانتقال من التعاون في إنجاز البنى التحتية إلى التعاون في بناء القدرات التقنية والرقمية.
بكين تطرح نفسها كقوة داعمة لإعادة تشكيل النظام الدولي
الشق السياسي من خطاب السفير لم يكن أقل أهمية من الجانب الاقتصادي، إذ وضع العلاقات الجزائرية الصينية في إطار أوسع يرتبط برؤية بكين للنظام الدولي.
فالصين تؤكد، عبر مبادراتها المتعلقة بالتنمية والأمن والحضارة والحوكمة العالمية، رغبتها في الدفع نحو نظام دولي تعتبره أكثر عدلا وإنصافا، وتقدم نفسها بوصفها قوة تدافع عن التعددية والتشاور والمصلحة المشتركة.
وفي هذا الإطار، أشار السفير إلى انضمام الجزائر إلى مجموعة أصدقاء مبادرة التنمية العالمية، التي تضم 88 دولة، وإلى مشاركة دول عديدة في المبادرات الصينية المرتبطة بالحوكمة والتنمية والأمن.
وتتقاطع هذه الرؤية بدرجة كبيرة مع الخطاب الدبلوماسي الجزائري القائم على الدفاع عن سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير مصيرها، ورفض التدخل في الشؤون الداخلية، والدفع نحو إصلاح النظام الدولي بما يمنح دول الجنوب مساحة أكبر في صناعة القرار العالمي.
فلسطين تختبر جدية النظام الدولي
وحضر الملف الفلسطيني بقوة في خطاب السفير، الذي وصف القضية الفلسطينية بأنها جوهر قضايا الشرق الأوسط، مؤكدا تمسك الصين بالحل السياسي، وبمبدأ حكم فلسطين من قبل الفلسطينيين، وبالاعتبارات الإنسانية والإنصاف والعدالة.
وتضع بكين بذلك القضية الفلسطينية ضمن تصورها الأوسع لإعادة بناء منظومة الأمن والحوكمة الدولية، في وقت تشهد فيه المنطقة حروبا وأزمات متداخلة وتتزايد الضغوط الدولية من أجل تثبيت وقف إطلاق النار ومنع اتساع رقعة النزاعات.
كما أن الموقف الصيني من فلسطين يتقاطع مع الموقف الجزائري الذي جعل القضية الفلسطينية إحدى أولويات تحركه الدبلوماسي، خصوصا داخل مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما يوفر أرضية سياسية إضافية لتقارب البلدين.
نحو مرحلة أكثر عمقا في العلاقات الجزائرية الصينية
وفي الجانب الشعبي والإنساني، أشار السفير إلى تضاعف عدد الجزائريين المتوجهين إلى الصين خلال الأشهر الستة الماضية مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بالتزامن مع الإقبال المتزايد على تعلم اللغة الصينية في معهد كونفوشيوس، والاستعداد لافتتاح خط جوي مباشر بين الجزائر العاصمة وشنغهاي.
وتعكس هذه المؤشرات اتجاها نحو جعل العلاقة الصينية الجزائرية أكثر اتصالا بالمجتمع، وليس فقط بالمؤسسات والحكومات والشركات.
فالخط الجوي المباشر المرتقب بين الجزائر وشنغهاي، إذا دخل حيز التشغيل، لن يكون مجرد إضافة في مجال النقل، وإنما يمكن أن يدعم حركة رجال الأعمال والطلبة والسياح والوفود، ويقلص كلفة التنقل بين البلدين، ويفتح المجال أمام مزيد من العلاقات الاقتصادية والثقافية.
وبذلك تبدو الرسالة التي حملها خطاب السفير الصيني واضحة: العلاقة الجزائرية الصينية تدخل مرحلة جديدة تتجاوز منطق المشاريع المنفردة نحو شراكة متعددة المستويات، تجمع الاقتصاد والتكنولوجيا والبنية التحتية والتعليم والسياسة الخارجية.
واللافت أن بكين تستند في بناء هذه المرحلة إلى رصيد سياسي وتاريخي تعتبره مشتركا مع الجزائر، يبدأ من دعم الجزائر لاستعادة الصين مقعدها في الأمم المتحدة، ويمر عبر المواقف المتقاربة بشأن قضايا السيادة والعدالة الدولية وفلسطين، وصولا إلى شراكة اقتصادية تتوسع من المشاريع الكبرى إلى قطاعات المستقبل.
وفي المقابل، تمنح هذه الشراكة الجزائر إمكانية الاستفادة من تجربة قوة اقتصادية وتكنولوجية كبرى في مسار تنويع اقتصادها وتطوير بنيتها التحتية وقدراتها الرقمية والصناعية، وهو ما يجعل العلاقات بين الجزائر وبكين مرشحة لأن تصبح خلال السنوات المقبلة أحد أبرز محاور الحضور الاقتصادي والتكنولوجي الصيني في شمال إفريقيا.
