الجزائر.. دبلوماسية المبادئ من فلسطين والصحراء الغربية إلى دعم استقرار الجوار

المنظار نيوز

سميرة بوجلطي

من فلسطين إلى الصحراء الغربية، ومن ليبيا وتونس إلى مالي والنيجر، ترسم الجزائر لنفسها خطاً دبلوماسياً يقوم على مبدأ واضح: الوقوف إلى جانب القضايا العادلة، واحترام سيادة الدول، ورفض التدخل في شؤونها الداخلية، مع جعل الاستقرار الإقليمي جزءاً أساسياً من أمنها ومصالحها الوطنية.

ولم تكن القضية الفلسطينية مجرد ملف حاضر في الخطاب الدبلوماسي الجزائري، بل ظلت على رأس أولويات التحرك الجزائري في المحافل الدولية. فقد جددت الجزائر، في أكثر من مناسبة، تمسكها بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، واستعدادها للانخراط في كل مسعى جاد يفضي إلى تمكين الفلسطينيين من حقوقهم الوطنية كاملة. كما أكدت في أغسطس 2026 استعدادها لدعم أي تحرك مسؤول يخدم هذا الهدف.

وتتحرك الجزائر في هذا الملف انطلاقاً من قناعة تعتبر أن إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من حقوقه المشروعة يمثلان مدخلاً أساسياً لتحقيق الاستقرار في المنطقة، وهو موقف ربطته القيادة الجزائرية باستمرار بمبادئ القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

وبالمنطق ذاته، تواصل الجزائر الدفاع عن حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، معتبرة أن قضية الصحراء الغربية تظل مرتبطة بالشرعية الدولية والمسار الأممي. وفي مايو 2026، جدد الوفد الجزائري خلال أشغال لجنة تصفية الاستعمار التابعة للأمم المتحدة التأكيد على الموقف الجزائري القائم على دعم تسوية عادلة ودائمة للقضية الصحراوية وفق الشرعية الدولية.

ولا تتوقف مقاربة الجزائر عند القضايا التي تتصدر المشهد الدولي، إذ تنظر إلى محيطها المباشر باعتباره فضاءً مترابطاً، بحيث لا يمكن فصل أمن الجزائر عن استقرار دول الجوار. وفي هذا السياق، تؤكد الرئاسة الجزائرية أن سياسة حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول تشكلان ركيزتين أساسيتين في التعامل مع الأزمات الإقليمية.

ليبيا.. الحل من داخل ليبيا

في الملف الليبي، اختارت الجزائر دعم المسار السياسي بدلاً من فرض حلول جاهزة من الخارج، مؤكدة أن الحل يجب أن يكون ليبياً-ليبياً، وأن يحفظ وحدة ليبيا وسيادتها ويقود إلى توحيد مؤسساتها وإنهاء الانقسام.

وتجسد هذا التوجه من خلال انخراط الجزائر في آلية دول الجوار الثلاثية إلى جانب تونس ومصر، حيث أكدت الدول الثلاث، في اجتماع القاهرة في مايو 2026، أن التسوية السياسية الشاملة هي السبيل لإنهاء الأزمة، مع التشديد على رفض التدخلات الخارجية ودعم جهود تثبيت وقف إطلاق النار وانسحاب القوات الأجنبية والمقاتلين الأجانب والمرتزقة من الأراضي الليبية.

وتحمل هذه المقاربة رسالة جزائرية واضحة: استقرار ليبيا لا يمكن أن يتحقق عبر الوصاية الخارجية، وإنما عبر توافق الليبيين أنفسهم، وبما يحفظ وحدة الدولة وسيادتها ويصون مقدرات الشعب الليبي.

تونس.. أمن الجار من أمن الجزائر

وفي تعاملها مع تونس، تؤكد الجزائر أن العلاقات بين البلدين تتجاوز الحسابات الظرفية، وأن استقرار الدولة التونسية يمثل مصلحة مشتركة. وقد شدد الرئيس عبد المجيد تبون على أن الجزائر لن تتخلى عن تونس، مع التأكيد في الوقت نفسه على احترام سيادتها واعتبار التجاذبات السياسية داخلها شأناً تونسياً داخلياً.

وهو ما يعكس معادلة تحاول الجزائر تكريسها في علاقاتها مع جيرانها: المساعدة عند الحاجة، من دون تدخل أو فرض خيارات سياسية.

مالي والنيجر.. الجوار الإفريقي في قلب الحسابات الجزائرية

أما في منطقة الساحل، فتتعامل الجزائر مع مالي والنيجر من زاوية أمنية وسياسية وتنموية متداخلة. وتؤكد القيادة الجزائرية رفضها القاطع للتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة، مع إعلان استعدادها لتقديم الدعم عندما تطلبه هذه الدول.

وفي ما يتعلق بمالي، تشير الرئاسة الجزائرية إلى أن الجزائر سبق أن ساهمت في مساعدة الأشقاء الماليين على تجاوز أزمات بلادهم، مؤكدة استعدادها لمواصلة هذا الدور إذا طلب منها ذلك. كما شدد الرئيس تبون على استعداد الجزائر لمساعدة النيجر، إلى جانب دول الجوار الأخرى، في إطار احترام سيادتها وقرارها الوطني.

ولا تنطلق الجزائر في هذا التوجه من حسابات أمنية ضيقة، بل من تصور يعتبر أن اضطراب منطقة الساحل ينعكس مباشرة على أمن المنطقة بأكملها، ولذلك تدعو باستمرار إلى معالجة أزمات القارة عبر حلول سياسية وإفريقية، بعيداً عن التدخلات الخارجية.

دبلوماسية تقوم على مبدأ واحد

وعند جمع هذه الملفات، تبدو السياسة الجزائرية الخارجية وكأنها تتحرك وفق قاعدة واحدة تمتد من الشرق الأوسط إلى شمال إفريقيا والساحل: دعم حق الشعوب في تقرير مصيرها، الدفاع عن سيادة الدول، رفض التدخلات الأجنبية، وتشجيع الحلول السياسية للأزمات.

ففي فلسطين، تقف الجزائر إلى جانب حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة؛ وفي الصحراء الغربية تتمسك بالمسار الأممي وحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره؛ وفي ليبيا تدفع نحو حل سياسي ليبي؛ وفي تونس تؤكد دعم استقرار الدولة مع احترام قرارها السيادي؛ وفي مالي والنيجر تتمسك بسياسة حسن الجوار والاستعداد للمساعدة بعيداً عن التدخل في الشؤون الداخلية.

وبذلك تقدم الجزائر نفسها كدولة ترى أن قوتها الإقليمية لا تقاس فقط بحجمها الجغرافي أو قدراتها الاقتصادية والأمنية، وإنما أيضاً بقدرتها على تحويل موقعها الجغرافي إلى مساحة للحوار والوساطة ودعم الاستقرار، وبالحفاظ على مواقف ثابتة تجاه القضايا التي تعتبرها مرتبطة بمبادئ التحرر والسيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

شارك
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

آخر الأخبار